الرياض – أوان

مع سيطرة الإنسان الآلي (الروبوتات) وانتشار الطابعات الثلاثية الأبعاد، بدا واضحاً أن المستقبل لن يكون ملكاً لذوي القلوب الضعيفة، إلا أن شهية المعرفة والتطلع للمستقبل تتضخم مع تنامي الأخبار حول ما سيجلبه الغد، بدءا من السيارات الطائرة التي سيصبح بإمكاننا استخدامها للتسوق وصولاً إلى المنازل الذكية العالية التقنية التي سنعيش فيها.

أصبح التأمل في المستقبل والتطلع إليه وسيلة متنامية لتمضية الوقت، بل أكثر من ذلك. تؤكد لوسي غرين محللة التوجهات والمديرة العالمي للابتكار في مجموعة جي والتر ثومبسون (JWT)، أن الابتكار والمستقبل باتا جزءا من ثقافة الحوار في العصر الحالي.

وقالت غرين التي تدير الابتكار في مؤسسة أمضت أكثر من 150 عاماً في صناعة وبناء العلامات التجارية، أن ذلك يعود لأسباب عدة، من بينها حالة أثارها نجوم وادي السيلكون (Silicon Valley) من أمثال مارك زوكربيرغ  مؤسس فيسبوك، بالإضافة إلى أن كثيرا مما كان يعتبر في الأمس خيالاً أصبح اليوم واقعاً، مثل الروبوتات والمكانس الكهربائية.

كما أثرت سرعة الأحداث والتقدم التكنولوجي السريع على المجتمعات، وأحدثت ما وصفه عالم الدراسات المستقبلية آلان توفلر بـ”الصدمة المستقبلية”.

وفي السياق ذاته، قال غيرد ليونهارد الرئيس التنفيذي لشركة “وكالة المستقبل”( the Futures Agency)، التي تتخذ من زيورخ السويسرية مقراً لها، أن الطريقة التي يتقارب بها الحاضر مع المستقبل تخاطب عالم الأعمال، وقال ليونهارد:

“كل ما هو من المستقبل يبدو وكأنه سيحدث الشهر المقبل، وهذا يرعب الشركات في القطاعات البطيئة مثل المصارف والتأمين والطاقة”

مشيراً إلى أن ذلك جعل الكثير من الشركات تتخذ من تأمل المستقبل محوراً لعملياتها، من خلال إنشاء حاضناتها الخاصة بابتكار وتطوير المنتجات، بينما تلجأ شركات أخرى للاستعانة بخدمات مؤسسات ووكالات استشراف المستقبل، التي أصبح عددها في تزايد مستمر.

وفي تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية، أكد تريفور هاردي الرئيس التنفيذي لشركة “مختبر المستقبل” (The Futures Laboratory) التي تقدم استشارات تحليلية حول المستقبل لشركات عملاقة من بينها غوغل، ازدهار قطاع التأمل في المستقبل، وتزايد عدد الشركات المختصة في استشراف المستقبل، وقال: “قبل خمسة أعوام رصدنا عدد الشركات المنافسة في بريطانيا، وكان عددها لا يتجاوز 4 وكالات.. الآن يتجاوز عدد منافسينا المئة وكالة”، مشيراً إلى أن حجم سوق تأمل المستقبل (gazing industry)، يبلغ في الوقت الحالي 100 بليون دولار على مستوى العالم !

وبالإضافة إلى تأثير مشاهير وادي السيلكون على زيادة الإقبال على استطلاع المستقبل، ساهم فيلم “مرحلة الطفولة” (Boyhood) الذي استغرق العمل عليه 12 عاماً (من 2002 إلى 2013)، في إقناع الكثيرين بأن ما يقومون به الآن سيجنون ثماره في المستقبل.

استطلاع المستقبل وإعادة تقييم الأولويات

أدت المبالغ التي تم إنفاقها لتحقيق أهداف قريبة المدى إلى إعادة تقييم الأولويات؛ إذ رغم المكتسبات التي حققت، وأغلب الأعمال التي تجلب الكثير من الرضى اليوم، إلا أن الاعتماد على ذات الآلية سيؤدي حتماً إلى تراجع اقتصادي واجتماعي في الأعوام المقبلة.

ويفسر ذلك تريفور هاردي الرئيس التنفيذي لشركة “مختبر المستقبل” بقوله: “كمجتمع ركزنا على الحاضر، وعلى العوائد الفورية، وهو ما جعلنا نفقد المهارات والقدرة اللازمة للتفكير في المستقبل البعيد”

ونظراً لأهمية الحفاظ على المنتجات الحالية بالنسبة للراغبين في النجاة من عاصفة التطور التقني المهول، والذي يهدد صناعات بأكملها، أصبح إدراك المستقبل أمراً ملحاً لتجنب “موت الأعمال”.

إذ وفق غيرد ليونهارد الرئيس التنفيذي لشركة “وكالة المستقبل”، فكل من يعمل في مجال صناعة السيارات، ويتولى صناعة أسطوانات ناقل السرعات (clutches)، سيصبح مستقبلاً خارج الصناعة وبلا عمل، حيث ستعتمد السيارات المستقبلية على الأنظمة الكهربائية والبرمجة، وكل مستثمر في القطاع لا يرى ذلك يعرض أعماله لـ”الموت”.

إنفاق الوقت لقراءة المستقبل بديل للشركات الصغيرة

يؤكد غيرد ليونهارد الرئيس التنفيذي لشركة “وكالة المستقبل” أن معظم المدراء التنفيذيين، لا يملكون الوقت الكافي لقراءة مستقبل قطاعهم، ورصد الفرص والمخاطر المستقبلية المتعلقة بنشاطهم، وهو ما يدفع الكثير من الشركات الكبرى للاستعانة بوكالات خاصة لتحديد التوجهات الخاصة بالمدى البعيد، مشدداً على أهمية تخصيص رجال الأعمال الذين لا يستطيعون الاستعانة بوكالات خاصة، مالا يقل عن 5 إلى 10 في المئة من وقتهم للتفكير في المستقبل، ورصد آخر التطورات في القطاع الذي يعملون فيه، وقال: “جميعنا لدينا مهارات الرؤية مع قليل من التأمل، وبمقدورنا احتضان تلك المهارات لكننا لا نفعل”، مشيراً إلى أن تطور الأجهزة الذكية من بين الأمور التي يجب أن توليها كل الأعمال اهتماماً خاصاً، بما في ذلك الأعمال الصغيرة التي تعتمد على حدسها، لتوقع رغبات عملائها

وأكد ليونهارد أنه برغم كل التوقعات المستقبلية، إلا أنه لا توجد وصفة لنجاح الأعمال كما لا توجد وصفة للمستقبل، وقال: “ما يحمله المستقبل يعتمد علينا، وباختبار الأشياء المحيطة بنا الآن يمكننا تصميم المستقبل”.