المهارة التي قصمت ظهر الزعيم

@A_AL_SULTAN – بقلم/ د. عبدالله السلطان – مدرب ومستشار في القيادة

كقائد أو رائد أعمال أو كأي شخص لديه تابعين يؤثر عليهم، كان يكثر الحديث عن مفهوم القائد وتواضعه وقربه من الفريق، وتلك السمات كانت محل جدل ودراسات لا تنتهي، فقد كانت الدراسات في مجال القيادة تدعو لأعلى درجات المثالية الحالمة في محاولتها لإثبات أن المهارات القيادية الرئيسية تتطلب من القائد أن يكون ودوداً ولطيفاً جداً مع أعضاء فريقه؛ حتى يكسبهم في صفه.

لذلك ترى أن الذين يتقلدون مناصب قيادية أو يصلون لمرحلة القيادة يغيرون بعضاً من عاداتهم ليكونوا ودودين مع فريق عملهم، وذلك لغرض إقامة علاقات ودية مع المرؤوسين، معتقدين أن ذلك سيجعل فريقهم يعمل بجد، وبشكل أفضل؛ والسبب في ذلك  كما يُزعم أن فريق العمل سوف يعمل بكفاءة أكبر من أجل قائد يحبونه، وعلى الرغم من أن هذا قد يكون صحيحاً في بعض الحالات النادرة جداً، إلا أن كون القائد ودوداً للغاية مع فريق عمله سيقوده بكل تأكيد إلى نتائج عكسية قد تؤدي إلى العديد من المشكلات التي لا يريدها.

إن كنت في بداية المهام القيادية أو رائد أعمال مستجد، يجب أن تكون على دراية بالمخاطر المحتملة التي قد تحدث إذا كان لديك علاقات شخصية مع فريق عملك، فذلك بلا شك سيتسبب في إعاقة أهدافك المهنية، وغالباً لن تستطيع قول “لا” لهم عندما تريد قولها، وستكون من ضمن الأشخاص الذين يقولون “نعم” بشكل دائم لرغبات واحتياجات الجميع، وبكل تأكيد سوف تنخرط مع القادة الذين يواجهون مستويات أكبر من التوتر والإرهاق العاطفي بسبب عدم القدرة على الرفض، وستبذل كل الطاقة في محاولة جعل الآخرين سعداء.

أن تصبح قائداً هي خطوة للأمام في الحياة المهنية، فالقادة الحقيقيون لا يرون أنها مجرد خطوة للترقية فقط، ولكنها أيضاً فرصة للابتعاد عن الفريق، لإظهار أنهم يتمتعون بحس المسؤولية؛ وذلك عن طريق خلق مسافة بين الفريق وبينهم بمرور الوقت، وعلى الرغم من حدوث تغيير في العلاقة -خاصةً إذا كانوا سابقاً جميعهم في فريق واحد- إلا أنهم لا ينبغي أن يجعلوا الأمر دراماتيكياً للغاية، فعندما تُخلق المسافة بشكل مفاجئ وملحوظ يمكن أن يؤدي ذلك إلى قطع الاتصال بين القائد وبين الفريق، وذلك لا يعد شيئاً جيداً.

تقول جوردن تريد جولد في مقالها “الخطايا السبع للقيادة” الذي نشرته في مجلة “Inc” عن الخطأ في أن تكون ودوداً جداً مع فريق عملك، أنه قد يكون الأمر مخيفاً أن يتم تعيينك في منصب قيادي، فقد يكون مكاناً وحيداً، ولكن يجب أن تكون متأكداً أنك لا تتطلع إلى حل هذه المشكلة؛ من خلال محاولة أن تكون ودوداً للغاية مع فريق عملك، وأما نيكول ليبكين فقد نشرت في مجلة “Forbes” مقالاً بعنوان “النتائج العكسية في أن تكون لطيفاً” تذكر فيه أنه إذا كنت لطيفًا جداً، فأنت تخاطر بكونك تقدم قرارات ضعيفة قد تبقي أعمال الموظفين متأخرة، وقد يصبح قربك الشديد من موظفيك على حساب القدرة على تقديم آراء وتوجيهات صارمة.

لذلك فإن القادة ورواد الأعمال الذين يمتلكون مهارة القيادة يدركون تماماً أن عليهم اتخاذ قرارات مصيرية وصعبة، وإن اتخاذ بعض القرارات قد يكون عائداً بالضرر على أعضاء الفريق إن كان ودوداً جداً معهم.

بالإضافة إلى أن الأشخاص اللطفاء والودودين يميلون إلى تجنب المغامرة أو رد الصراع، لأنهم يفضلون الوئام الاجتماعي بدلاً من خوض تجارب جديدة أو الدخول في مخاطر، ولكن القادة الحقيقيين يدركون أنهم مجبرين على الدخول في مغامرات جديدة قد تكون معارك وصراعات إن تطلب الأمر، وقد يؤدي الإفراط في تفادي ذلك -كونهم قادةً لطفاء- إلى نتائج عكسية في بعض الأحيان، ويمكن أن يسبب ذلك المزيد من الألم والمعاناة والخسائر للقائد وللآخرين في المستقبل.

في بحث أجراه كل من لوران بييج، وجان ليون بوفوا، وديدييه كوربيت، ودومينيك أوبرلي، ويوهان ليباج، وآرون ديوك بعنوان “الشخصية تتنبأ بالطاعة في نموذج ميلغرام”، أن الأفراد الذين يكونون لطيفين جداً هم أكثر طاعةً وخوفاً، وعندما قاموا بتكرار “تجربة ميلغرام” اكتشفوا أن الأشخاص الذين سجلوا درجات أعلى في اللطافة عانوا من آلام الصدمات أكثر من الذين كانوا أقل لطفاً، لذا فإن القائد إن كان ودوداً جداً، كان أكثر عرضةً في أن يكون مرؤوساً ومطيعاً لسلوكيات تؤدي في الواقع إلى الإضرار بالآخرين؛ وذلك بسبب أنه لا يملك القدرة والجرأة على قول “لا”.

عندما ناقش مستخدمو موقع “Quora.com” هذه السمة في عام 2014م بعنوان “ماهي عيوب أن تكون لطيفاً جداً؟” قام موقع “Business Insider” بجمع أفضل الإجابات، حيث يذكر أن أحد المستخدمين قال: “سيبدأ الناس برؤيتك مملاً”، وقال مستخدم آخر: “عندما تجد صعوبة في قول “لا”، فإن الناس سيفترضون دائماً أنك تقول “نعم” حتى عندما تقول “لا”، كما اختار موقع “Business Insider” تعليق أحد المستخدمين الآخرين بـ “أن الناس قد يرون لطفك علامة ضعف”، وذكر تعليق آخر يُظهر عيوب أن تكون لطيفاً جداً: “أنك قد تفقد احترام الآخرين في حال لطفك الشديد”.

 ألا تكون ودوداً لا يعني ذلك ألا تكون مهذباً أو تكون لئيماً أو بغيضاً ومعادياً لفريق عملك، ولكن عندما يتعلق الأمر بالقيادة لا يجب أن تضع من أولوياتك أن تكون ودوداً معهم، فهناك حدٌّ دقيق جداً من اللباقة والود يجب أن تكون عليه كقائد، فإن أتقنته قد يصنعك، وإن تجاوزته قد يحطمك.

أن تكون شخصاً متعاطفاً يهتم بالموظفين شيء، والخوف من أن تخبر شخصاً آخراً عن ضعف أداءه لشغل منصب ما شيء آخر، والقائد يجب أن يميز بين ذلك وذاك، فلا يجب أن تعني سمة الود أنك قائد يسهل خداعه أو أنك تقول “نعم” دائماً، ولا تستطيع تقديم رأيك خوفاً من أن تفقد ود فريق عملك، حيث إن ذلك سيدفن الإبداع والموضوعية والمصداقية، وسيؤدي إلى قلة الاحترام تجاهك من جانبهم، ولذلك يجب أن يكون التأثير الإيجابي لسمة اللطف تنعكس عليك كقائد، وعلى المنظمة التي تقودها، وعلى فريق عملك أيضاً، فكونك شخصاً لطيفاً ليس بالضرورة مشكلة، ولكن يجب أن يأتي ذلك اللطف من القوة والتوازن والتفاهم.

موضوعات ذات علاقة

شارك الموضوع

Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp

الاشتراك بالقائمة البريدية

تسجيل الدخول