فريق تحرير السعودي العلمي*

يشهد عالمنا بزوغ فجر الثورة الصناعية الرابعة، وهي مُشابهةٌ للثورة الصناعية الثالثة التي قامت على الإلكترونيات وتقنية المعلومات، إلا أن سرعة تطوّرها ونطاق تأثيرها يجعلها مرحلةً تاريخيةً مستقلةً بذاتها، إذ تُوصف بأنها مجموعةٌ من التقنيات الحديثة التي تدمج بين العوالم المادية، الرقمية، والأحيائية، ويصل نطاق تأثيرها إلى جميع التخصصات، والاقتصادات، والصناعات.

وتسعى الدول المتقدمة للتهيؤ لها واستقبال متغيراتها منذ أن ظهرت بوادرها، من خلال التركيز على الاستثمار في الأفراد، والبنية التحتية، والبحث والتطوير، واعتبار المعرفة جزءاً مهماً من رأس المال البشري وتنميته من خلال تطوير المؤسسات التعليمية والتقنية ودعم الابتكار، وذلك بهدف إيجاد أسس قويةٍ لاقتصادٍ يقوم على بنيةٍ تحتيةٍ رقميةٍ متطورةٍ، وقوةٍ عاملةٍ متعلمةٍ ومدربةٍ على مستوى عالٍ، وهما الركيزتان اللتان يقوم عليهما ما يُعرف بالاقتصاد المعرفي.

مستقبل الأسواق الدولية والمحلية
لو اطلعت على أسواق البورصة الدولية اليوم، لوجدت أن الشركات القائمة على التقنيات المتقدمة، والبيانات، وتقنية المعلومات هي أكبر الشركات العالمية، متغلبة على شركات النفط التي كانت متصدرة أعلى القيم السوقية في العقود الماضية، وهو ما شد أنظار صناع القرار حول العالم ودفعهم إلى تحويل اقتصاداتهم إلى اقتصادٍ قائمٍ على المعرفة، بعكس الاقتصاد التقليدي الذي يقوم على الصناعات الثقيلة والمواد الخام. ومن هنا لعبت رؤية المملكة العربية السعودية 2030 دوراً مهماً لمواكبة هذا التحول العالمي السريع، من خلال طرح عدة سياساتٍ تهدف لتطوير الاستثمار في التعليم والتدريب، والاهتمام بالنشاط الريادي الذي يعمل على خلق أنشطةٍ اقتصاديةٍ جديدةٍ عن طريق الأبحاث والتطوير، وتوزيع المنتجات والخدمات المبتكرة لخلق فرصٍ وظيفيةٍ جديدة، وتحسين التنمية الاقتصادية.

في نفس الوقت، يأتي دعم العمل الريادي والمنشآت الصغيرة والمتوسطة كأحد أهم عوامل النمو الاقتصادي، حيث تشكل المؤسسات الصغيرة نسبةً تصل إلى 7.99% من عدد المؤسسات التجارية في اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، وتوظف ما يساوي 47.8% من إجمالي موظفي القطاع الخاص، وتساهم بقدر 46% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن لقطاع الأعمال الصغيرة دوراً في زيادة الصادرات وتعزيز الابتكار، ولقد برز الاهتمام الحكومي السعودي بدعم العمل الريادي عبر استحداث عددٍ من الهيئات ومسرعات وحاضنات الأعمال والمراكز الداعمة للابتكار؛ لتمكين رواد الأعمال والمبتكرين، ورفع مساهمة إجمالي الإنتاج المحلي للمنشآت الصغيرة. ويتوجه الاهتمام الحالي بالتحديد نحو تدريب وتأهيل الكفاءات في أحدث التقنيات الرقمية، مثل تحليل البيانات الضخمة، الذكاء الاصطناعي، البرمجة، تصميم التطبيقات، تقنيات إنترنت الأشياء، والأمن السيبراني.

 

يتجلى هذا التوجه من خلال المبادرات العديدة التي تقدمها المؤسسات الحكومية كهيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، المؤسسات الخيرية مثل “مسك الخيرية”، إنشاء الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة وكلية الأمير محمد بن سلمان للأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، افتتاح عددٍ من حاضنات الأعمال ومراكز الابتكار في مختلف الجامعات السعودية، وغيرها من المبادرات الوطنية.

أمثلةٌ وطنيةٌ واعدةٌ

إنّ دعم العمل الريادي المُعتمد في جوهره على التعليم العالي لن يتم دون تقليص الفجوة بين مخرجات الجامعات وسوق العمل، وفي سبيل ذلك تبنّت كبرى المؤسسات التعليمية عدداً من المبادرات، فقد أنشأت جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (صندوق دعم الابتكار) للاستثمار في رأس المال الجريء، واستثمرت في عددٍ من الشركات الناشئة المبنية على الأبحاث العلمية الخارجة من رحم الجامعة نفسها، مثل شركة “سديم” لبناء أنظمة الاستشعار اللاسلكية في المدن الذكية، وهي أنظمة مبتكرة متصلة بالهواتف الذكية للكشف المبكر عن الفيضانات وتفادي الأخطار وتقليل الخسائر الاقتصادية.

ومن نماذج الشركات القائمة على ابتكار الحلول التقنية الذكية، حصلت شركة “فالكون ﭬز” على منحةٍ ماليةٍ من صندوق دعم الابتكار ودعمٍ من مركز أرامكو لريادة الأعمال (واعد)، وهي شركةٌ سعوديةٌ تُركز على المسح ثلاثي الأبعاد ورسم الخرائط باستخدام أنظمة الطيران بدون طيار ذات تحكمٍ ذاتيّ متكامل، وقدمت خدماتها في ٣٠ مشروعاً ضخماً.

من جهةٍ أخرى، يشكل التدفق الهائل للبيانات ثروةً يصفها الخبراء “بالنفط الجديد”، خاصةً مع تضاعف وازدياد عدد الأجهزة المتصلة بالإنترنت، حيث يساهم علم تحليل البيانات في العديد من المجالات الأمنية، الطبية، والاجتماعية وغيرها، وهنا برزت شركة “كوانت” السعودية الناشئة المُحتضنة سابقاً في حاضنة بادر للتقنية العاملة تحت مظلة مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، إذ تعمل “كوانت” على توفير الحلول في عالم البيانات، ومساعدة الشركات والحكومات في تحويل بياناتها الخام إلى معلوماتٍ تمكنهم تحسين عملية صنع القرار، عبر جمع البيانات، تحليلها، تصويرها، وتدريب الكفاءات المحلية لإدارتها.

إن من أوائل القطاعات التي ستشهد تغيّراً كبيراً في ظل الثورة الصناعية الرابعة هو قطاع الصناعة، حيث يُتوقع أن تغيّر تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (أو التصنيع بالإضافة) من أسلوب التصنيع بالكلية في السنوات القادمة، ويتميز مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد بمساهمته في الكثير من المجالات، ابتداءً من التصنيع الشخصي، التعويضات (الأعضاء الاصطناعية) الطبية، الالكترونيات، وحتى الصناعات الفضائية، كما يُشكّل مجال تصنيع الطابعات ومواد الطباعة مجالاً حيوياً للبحث والتطوير، مما يكوّن بيئةً جاذبةً للنشاط الريادي.

ولقد برزت بالفعل عددٌ من الشركات في مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد التي تُقدم خدمة التصميم والطباعة لنماذج العملاء، كما تأسست شركات أخرى تهتم بنشر ثقافة التصنيع الرقمي الذي يتضمن بناء النماذج الأولية والتصنيع المحلي باستخدام مهارات تصميم وبرمجة الدوائر الالكترونية والمتحكمات الدقيقة، والطباعة ثلاثية الأبعاد.

إنّ للمملكة العربية السعودية رؤيةً واضحةً لأن تُصبح رائدةً عالمياً في مجال العلوم والتقنية، ويأتي التنسيق بين القطاعين العام والخاص كأبرز العوامل المساهمة في تحقيق هذه الغاية وتحقيق التحوّل الاقتصادي، كما أنّ وصول تقنيات الثورة الصناعية الرابعة لجيلٍ نشأ والتقنية بين أيديهم يجعلهم أكثر تكيّفاً مع هذه المرحلة، وهو ما يُشكلُ فرصةً ذهبيةً لكسب الرهان على الشباب الذين يشكّلون قرابة ثلثي سكان المملكة.

 

*بالتعاون مع السعودي العلمي