الرياض – أوان

“رؤساء المكاتب التنفيذية كلهم يريدون تقليد جاك ويلش لن يستطيعوا ذلك، لكنهم يقتربون منه كثيراً إذا ما اصغوا بعناية لما يقول” كما يرى الملياردير الشهير وارن بافيت، وليكن ذلك التعريف الأسرع لمكانة مدير شركة جنرال الكتريك جاك ويلش في الريادة الإدارية والتنفيذية.
في سيرته الذاتية “من القلب مباشرة” التي نشرت ترجمتها دار العبيكان السعودية، يؤكد ويلش أنه يكره استخدام ضمير المتكلم المفرد، “فكل ما أنجزته بحياتي، أنجزته مع الآخرين. كلما رأيت أنا في صفحات السيرة، فهي تعود لأولئك الزملاء والأصدقاء الرائعين الذين ساروا معي في هذه الرحلة”.
يبدأ “ويلش” ملخصاً مسيرته بالقول: “كنت أسعد رجل في أمريكا، وبالتأكيد أفضل الناس حظاً. حصلت على وظيفة في عمل كنت أتمناه، منحني مصفوفة غير معقولة من العمل، بدءا من محركات الطائرات إلى مولدات القدرة الكهربائية إلى البلاستيكيات والمواد الطبية والخدمات المالية، فكل ما تفعله شركة جنرال موتورز ” GE” يلامس كل فرد تماماً، وعملت مع أكثر الناس ذكاء وإبداعاً وأشدهم منافسة في العالم وغالبيتهم أذكى مني”.

المجنون الشرس!

ويعيدنا إلى بدايات عمله، مبيناً: “عندما التحقت بشركة GE في عام 1960م كانت آفاقي متواضعة بوصفي مهندساً صغيراً حديث التخرج في برنامج الدكتوراه، وفي الرابعة والعشرين من العمر، أتقاضى راتباً قدره 10.500 دولار سنوياً، وكان كل ما أريده أن يصل راتبي إلى 30.000 دولار سنوياً عندما أبلغ الثلاثين من العمر”.
وفيما تضطرب حياته نحو مراتب أعلى، يرصد ويلش تلك اللحظة: “صعدت وهبطت كثيراً خلال السنوات الإحدى والأربعين التي قضيتها في الشركة، وفي الأيام الأولى عندما كنت أعمل في مجموعتنا الناشئة لصناعة البلاستيك، وصفني أحدهم بأني مجنون وشرس، وعندما أصبحت رئيس المكتب التنفيذي قبل عقدين من الزمن، تساءلت صحيفة “وول ستريت” من هو جاك؟، والحقيقة أنه رغم كل ما قيل عني، إلا انني لم أتغير في أعماقي كثيراً عن الصبي الذي ربته أمي في سالم (ماساشوسيتس)”.

ويصف مدير ” GE” كيف قادته تجاربه نحو تسلم القيادة فيها قائلاً: “أعتقد أن الأخطاء غالباً ما تكون معلماً تماماً كالنجاح، وأنا دليل على أنه ليس هناك خط مستقيم للرؤى والأحلام، وأنا دليل على ذلك، فقد كنت رجلاً محظوظاً وارتجالياً ظل يسير قدماً إلى الأمام بالرغم من العثرات، ويحيا ويثمر في أحد أشهر المؤسسات العالمية”.
وعن منهل قيادته وموجة تجاربه الشخصية يستعيد ويلش طفولته، حيث يرى أن الكثير من معتقداته الإدارية كالتنافس القاسي من أجل الفوز ومواجهة الواقع وتحفيز الناس بعناقهم أو نبذهم، ووضع أهداف بعيدة ومديدة، ومتابعة الناس العاملين معه بلا هوادة للتأكد من أنهم أنجزوا ما يقومون به من عمل، تعود جذورها إلى والدته، مؤكداً: “البصائر التي غرستها فيّ لن تخبوا أبدا، إذ كانت تصر دائماً على مواجهة حقائق الوضع، ومن تعابيرها المحببة: لا تخدع نفسك، هذه هي طريقة الحياة، وغالبا ما تحذرني إن لم تدرس وتجتهد، فلن تكون شيئاً، لا شيء إطلاقاً، فليست هناك طرق مختصرة، فلا تخدع نفسك”.

الكفاح من أجل رفع الحاجز

ويذكر ويلش الذي قاده شغفه ورغبته نحو الهندسة، انه كان دائم الشعور بأن الهندسة الكيميائية هي “أفضل أساس وخلفية للحياة العملية، ولدى مغادرتي إلينوي عام 1960م، كنت قد قررت ما أحب واريد أن أعمل، وكانت مهارتي الفنية جيدة بيد أني لم أكن عالماً أبداً، كنت بالمقارنة مع أقراني منفتحاً أحب الناس أكثر مما أحب الكتب، وأحب الرياضة أكثر من التنمية العلمية، وكنت أعتبر تلك المهارات أفضل ما يمكن لعمل يربط بين المختبر والعالم التجاري”.
ونوه الى الفرصة التي جمعته بالدكتور دان فوكس وهو عالم مسؤول عن المفاهيم الكيميائية الجديدة في الشركة، حينما دعته شركة جنرال موتورز إلى بيتفيلد، “وجذبتني الوظيفة أكثر من غيرها، وتشبّثت بها حين أخبرني فوكس أنني سيكون أول موظف مسؤول عن إخراج البلاستيك من المخبر إلى الإنتاج، وقبلت بالتكليف في غضون أسبوع”، ولكن ما كان يجهله عندما باشر، كيف أصيب بالإحباط بسرعة، ففي غضون سنة كان سيفصل من الشركة بسبب بيروقراطيتها.

حاجة الشركات للعظماء مستمرة!

وعن أسلوبه في الإدارة، يعارض ويلش القائلين بأن معاملة المفاضلة تدمر فكرة العمل الجماعي، ويرى أنه يمكن بناء فريق قوي بفضل معاملة الأفراد معاملة تفاضلية، كما في البيسبول، فيكون لكل فرد دوره وحصته في اللعبة، لكن لا يعني ذلك أن كل فرد في الفريق يجب أن يعامل كالآخر، فالفرق الفائزة تأتي نتيجة المفاضلة في التعامل عبر مكافأة الأفضل وإبعاد الأضعف، فالكفاح دائماً من أجل رفع الحاجز”.
وعن اختيار فريق العمل، يذهب إلى أن اكتشاف العظماء يتم بطريقة مختلفة، وكان يؤمن دائماً ان كل فرد تلقاه يشكل مقابلة أخرى، فقد كان هم الشركة هو اكتشاف العظماء وبنائهم بغض النظر عن مشاربهم، ففي شركة تضم أكثر من 300 ألف موظف و4 آلاف مدير، نحتاج إلى أكثر من مجرد عواطف ونوايا حسنة، فلا بد من وجود بنية ومنطق بحيث يعرف كل عامل أحكام العمل ولعبته، وصميم هذه العملية يتمثل في الموارد البشرية.
ويلخص مقاربة التعامل مع الثقافات المتنوعة في الشركة بإبراز المقولة التي يرددها دائماً: “عامل الناس بكرامة وامنحهم صوتاً يعبّرون به عن أنفسهم”.